العمل التطوعي بين المفهوم النظري والتطبيق العملي في جمعية الهلال الأحمر العراقي

محمد عبد الصاحب الكعبي
عضو هيئة ادارية

يعد العمل التطوعي ظاهرة قديمة وعالمية تمثل سلوكا انسانيا تلقائيا نحو فعل الخير وتقديم يد العون للاخرين كتجسيد للقيم الأخلاقية والدينية المعبرة عن الدوافع الانسانية والمشاعر الطيبة المتأصلة في النفس البشرية .
وقد اتخذ العمل التطوعي عبر التاريخ الانساني اشكالا متعددة , ابتداءا من الاعراف والتقاليد القائمة على اساس المساعدة الذاتية ومرورا بالتجاوب الاجتماعي في اوقات الشدة وتنظيم مجهودات الاغاثة وبلوغا الى ما وصل اليه اليوم من صيغ العمل المؤسساتي المنظم . اذ لم يعد العمل التطوعي في مجتمعاتنا المعاصرة محصورا في دائرة الاهتمامات الفردية والمبادرات الشخصية المتمثلة بالاستجابة لظروف ومواقف تستدعي بروزه , وانما بات وسيلة من وسائل المشاركة في النهوض الاجتماعي وسبيلا من سبل تحقيق التنمية المجتمعية وطريقا نحو تحقيق التكافل الاجتماعي . ذلك لانه يمثل جهدا اراديا فرديا او جماعيا يبذل عن رغبة واختيار بهدف خدمة الغير وتحقيق المصلحة العامة من دون طلب مقابل مادي . وبذلك يمكننا وصفه بانه سلوك يعبر عن قيم المحبة والتاخي التي حثت عليها الاديان السماوية وتجلت في افاق المعاني الانسانية التي اتت بها ايات القران الكريم واحاديث الرسول الاعظم (ص) الحاثة على التضحية والبذل والعطاء في سبيل الله كمصاديق لقيم الخير والتعاون والبر والعمل الصالح التي اوردتها النصوص الاسلامية في مواضع عدة منها قوله تعالى o وتعاونوا على البر والتقوى ) المائدة/2 فالدعوة الى التعاون التي يؤكد عليها القران في الاية الكريمة تمثل مبدا اسلاميا , تشتمل في اطاره كافة المجالات الاجتماعية والاخلاقية والسياسية والحقوقية وغيرها , وبذلك يمكن القول ان العمل التطوعي انما هو تطبيق من التطبيقات العملية لذلك المبدا , وهو في الوقت نفسه تجسيد لشعار اساسي من الشعارات المتجذرة في الاسلام الا وهو شعار الاخوة المقرر في قوله تعالى o انما المؤمنون اخوة)الحجرات /11 هذا الشعار الذالاسلامي نظام عملي في قوله (ص) ( المسلم اخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ومن كان في حاجة اخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ) .
وفي الواقع الحياتي نلاحظ ان العمل التطوعي والسعي في خدمة المجتمع وقضاء حوائج الناس يحقق راحة نفسية وسعادة معنوية كبيرة لما يحمله الانسان في اعماق نفسه بفطرتها من ميول ونوازع خيرة وضمير اخلاقي حساس يتلذذ بفعل الخير والعمل الصالح ، لذا نرى ان العمل التطوعي يزيد نقاط قوة الشخصية ويرفع المكانة الاجتماعية للانسان وينمي قدراته ومؤهلاته ويطور مهاراته السلوكية . وهذا يفسر لنا ذلك الاهتمام المتزايد الذي نلاحظه اليوم امميا ودوليا بهذا النشاط الانساني حتى اتخذ ركيزة اساسية للمشاركة الاجتماعية تقتضي من الجميع السعي لاضفاء الشرعية القانونية عليه ودعم وسائل تعميمه وترسيخ قيمه اجتماعيا وثقافيا . وفي هذا الاتجاه عقدت مواثيق وتشكلت برامج تعنى بالتطوع وتنظيم العمل التطوعي كبرنامج الامم المتحدة للمتطوعين عام 1979 م الذي يعد الذراع التطوعي لمنظومة الامم المتحدة ومشروع متعدد الاطراف يهدف الى تشجيع الاسهامات التطوعية في مجالات التنمية المختلفة , وقد صار يمارس هذا البرنامج دور المنسق المركزي لفعاليات اليوم العالمي للتطوع الذي يوافق اليوم الخامس من شهر كانون الاول ديسمبر من كل عام .
وسعيا من المجتمع الدولي في تعزيز ثقافة التطوع ولغرض الترويج لها وتيسير بناء شبكات العمل التطوعي فقد اعتبر العام 2001 عاما للمتطوعين بموجب قرار الجمعية العمومية للامم المتحدة في 20 تشرين الثاني 1997 ولمرور عشرة سنوات على العام المذكور اعتمد العام 2011 مناسبة لتقييم التقدم المحرز على مدى عقد من متابعة الامم المتحدة لهذا القطاع وفرصة للاحتفاء بجوانب النجاح التي تحققت والنظر في التحديات التعزيز العمل التطوعي .
وقد تزامن هذا الاهتمام الاممي واقترن باهتمام من حكومات الدول المختلفة فعقدت لهذا الغرض اتفاقات تهدف الى تحقيق التعاون بين الدول في المجال التطوعي وتبادل الخبرات والخدمات التطوعية . وهذا كله ياتي منسجما مع ذلك الاقرار الذي تكاد تجمع عليه اليوم كل الشعوب والامم والذي يفيد ان الحكومات سواء في البلدان المتقدمة او النامية لم تعد قادرة على سد احتياجات مواطنيها ومجتمعاتها نظرا لتعقد الظروف الحياتية وما تشهده تلك الاحتياجات من ازدياد مستمر. لذا شرعت اغلب دساتير الدول ومنها الدستور العراقي النافذ حرية تاسيس الجمعيات وكرست دور الدولة في تعزيز مؤسسات المجتمع المدني , لقناعتها بان هذه الجمعيات والمؤسسات تمثل الوعاء الامثل لاحتضان العمل التطوعي وتنظيم جهود المتطوعين . وبعملية تفاعلية مع هذا التوجه العام نلاحظ حرصا ملموسا لدى قادة المنظمات التطوعية في ادامة جذوة وحماس العمل التطوعي لايمانهم بدوره الفاعل في تنمية النوايا الطيبة لدى الافراد , الامر الذي يتطلب من تلك المنظمات ان تعمل على تجسيد تلك النوايا الى نشاطات سلوكية في اطار العمل التطوعي الذي يسهم في تحقيق المصلحة العامة بعيدا عن المصالح الذاتية والشخصية والفئوية .
ولعل جمعية الهلال الاحمر العراقي بوصفها احدى مكونات الحركة الدولية للصليب الاحمر والهلال الاحمر وباعتبارها جمعية وطنية انما تعد المجال الانسب والمناخ الارحب لازدهار العمل التطوعي على الصعيد الوطني العراقي لكونها اقدم جهة تطوعية عراقية تمتلك من القدرات ما يؤهلها لقيادة العمل التطوعي على مساحة البلد اكمله ولربما خارج تلك المساحة ايضا , فهي جمعية كما وصفها قانون الاعتراف رقم (131) سنة 1967 المعدل بانها من الجمعيات ذات النفع العام , وهذا الوصف يفيد عدم سعيها لتحقيق الربح ,وانها في انشطتها وبرامجها في مجالات الصحة والخدمات الانسانية والاغاثية تهدف الى مساعدة الفئات الاشد ضعفا في المجتمع من خلال شبكة المتطوعين المسجلين لديها , ومستندة في ذلك على مبدا الخدمة التطوعية الذي يعد واحدا من المبادىء السبعة المقرة من قبل الحركة الدولية للصليب الاحمر والهلال الاحمر كذلك من قبل جمعية الهلال الاحمر العراقي ذاتها بموجب نظامها الاساسي .
والجمعية المذكورة وفي سياق سعيها لدعم العمل التطوعي وتعزيز دوره قررت هيئتها الادارية في اجتماعها المنعقد في 21/9/2011 استحداث هيئة ضمن هيكليتها اطلق عليها اسم هيئة شؤون المتطوعين وربطتها اداريا بالسيد رئيس الجمعية مباشرة , وجعلت من ضمن مهامها اختيار المتطوعين والعناية بهم اثناء تنفيذ الانشطة التطوعيولا ريب ان تشكيل هذه الهيئة يعد خطوة نحو الاتجاه الصحيح , اذ شهدت ادارة المتطوعين نقلة نوعية فبعد ان كانت مجرد جزء ضمن احد اقسام الجمعية وهو قسم الشباب والمتطوعين انيطت هذه الادارة الى ذات صلاحيات واسعة وهي تهدف من اداء مهامها لتحقيق قوة اكبر لمركز المتطوعين في الجمعية

وضمن اطار نهج الاهتمام بالعمل التطوعي ودعم المتطوعين المتبع من قبل جمعية الهلال الاحمر العراقي فقد اتخذت الاخيرة قرارات عدة بهذا الاتجاه منها قرارها المتخذ من قبل هيئتها الادارية في اجتماعها بتاريخ 27/4/2011 المتضمن اقرار شمول المصابين من المتطوعين اسوة بموظفي واعضاء الجمعية بالعلاج المجاني في مستشفياتها في حالة اصابتهم اثناء تقديم العمل التطوعي او من جرائه , واذا ما انعدمت متطلبات ذلك العلاج في مستشفيات الجمعية فان الاخيرة ذاتها تتحمل تكاليف خارج تلك المستشفيات . ولا شك ان هذا القرار تعبيرا عمليا لاحد التزامات الجمعية تجاه المتطوع وهو التزامها بحمايته من مخاطر العمل التطوعي .

ومن القرارات التي تصب في اتجاه دعم التطوع وتكريسه في الواقع الاجتماعي قرار الجمعية المتعلق بدفع تكاليف العمل التطوعي بالقدر نفسه الذي تدفعه لموظفيها واعضائها من حيث بدلات اجور النقل والطعام ومخصصات السفر وغيرها , وكتطبيق لذلك جاء الامر الاداري الصادر من الجمعية بالعدد (4946) في 28/7/2011 .
وبعد كل الذي تقدم نقول اننا وان كنا نقر باهمية كل الاجراءات السالفة الذكر ونؤمن بفاعلية دورها في تعزيز قيم العمل التطوعي الا اننا نراها لا زالت لم ترق الى مستوى الطموح المامل لها من جهة تطوعية عراقية عريقة وكبيرة كجمعية الهلال الاحمر العراقي . اذ اننا نرى ان هذه الجمعية مدعوة اليوم من اي وقت مضى للعمل الجاد والسعي الحثيث لتاخذ بزمام المبادرة على الصعيد الوطني وتقود العمل التطوعي , ولها ان تلجا في ذلك الى اعداد ميثاق وطني تلتزم به كل الجهات العاملة في قطاع التطوع العراقي من خلال اقراره في مؤتمر وطني يعقد وتشارك فيه كل الجهات المعنية بالتطوع والمتطوعين من منظمات غير حكومية ومؤسسات حكومية وشخصيات فاعلة في هذا المجال , لتنطلق بعد ذلك الدعوة الى مشرعنا العراقي لحثه على اصدار قانون ينظم العمل التطوعي ليكون مساهما في ترسيخ قيم هذا السلوك الانساني وضامنا لتألق دوره عمليا . ولكن بلوغ هذا الهدف المنشود يقتضي من الجمعية ابتداءا اقرار سياسة تطوع تختص بها تنظم ضوابط العمل التطوعي وتقنن عمل المتطوعين وتبين التزاماتهم وحقوقهم ومدى ما يقع على كاهلهم من مسؤولية من جراء اداء خدماتهم التطوعية , وفي هذا الصدد لعله تجدر الاشارة منا الى امكانية استرشاد الجمعية بسياسة التطوع الصادرة من الاتحاد الدولي للصليب الاحمر والهلال الاحمر لا سيما وان السياسة المذكورة نراها قد تضمنت من المبادئ ما يصلح ان تكون اساسا ومنطلقا لتنظيم العمل التطوعي وفق قواعد وضوابط في جمعية الهلال الأحمر العراقي .
واخيرا نقول ان كل ما اشير اليه فيما سلف من خطوات عملية حتما ستكون لها مساهمة في تعزيز وتكريس العمل التطوعي في مجتمعنا اذا ما اتخذتها الجمعية وانها بتلك الخطوات سيسجل لها قصب السبق والمبادرة في هذا المجال الذي بات يعد اليوم من معايير قياس تقدم الامم ورقي منظومة القيم فيها .

عن الهلال الاحمر العراقي

هي جمعية إنسانية وطنية مستقلة عملها تخفيف الآلم ومعاناة أبناء المجتمع من دون تمييز في أوقات السلم والحرب أثناء الكوارث الطبيعية وغير الطبيعية وتعد الجمعية واحدة من الجمعيات الفعالة في الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر. ويعتمد عمل الجمعية على مبدأ العمل التطوعي حيث يعتبر القاعدة الأساسية في عمل جمعية الهلال الأحمر العراقي وقد التزمت الجمعية منذ بداية تأسيسها بمبدأ العمل التطوعي الذي يعتبر من المبادئ الأساسية للحركة الدولية. والخدمة التطوعية هي تجسيد للمبادئ الأساسية للحركة الدولية والهلال الأحمر حيث يعتبر المتطوعين الركيزة الأساسية لعمل الجمعية فالإغاثة التطوعية لا تعمل لأجل أي مصلحة وتهدف الى توفير الإغاثة التطوعية دون أن تسعى إلى تحقيق أي ربح.

شاهد أيضاً

فرق الهلال الاحمر العراقي توزع مساعدات غذائية واغاثية للعوائل النازحة في محافظة بغداد

اعلنت جمعية الهلال الاحمر العراقي عن توزيعها مساعدات غذائية واغاثية لأكثر من (30) عائلة نازحة ...